دور الأنبياء والوحي ودور العقل


إن محور التجاذبات والاختلافات الدائرة بين الناس عبر التاريخ البشري، وإن اتخذت طابعا فكرياً أو سياسياً أو أخلاقياً أو عسكريا،
لم تكن تلك الاختلافات والصراعات منفصلة عن فلسفتهم وفهمهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة، فتارة هي بين الإيمان والكفر، وتارة بين أصحاب هذه الرؤية وأصحاب تلك الرؤية، لانتهاج هذا السبيل أو ذاك، مع أن هذا الصنف، متفقون على غاية مشتركة، وهي الفوز والنجاة ورضوان الله والعمل على تحقيق مصلحة العباد والبلاد بصورة عامة.
فهل تتعارض وظيفة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) مع وظيفة العقل لدى المكلّفين…؟
فأما المسلّم به - بين المؤمنين- أن وظيفة الأنبياء والرسل، هي هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور،
ومما يظهر، أن هذه الوظيفة لها ارتباط بعالم آخر، يلي هذه الحياة الدنيا، فلم يظهر لنا في تاريخ البشرية من يزعم الإيمان بعالم الآخرة وقدّم معلومات -بشكل يقيني- عن تلك الحياة الآخرة، غير الأنبياء والرسل.
إن مثل ذلك السؤال السابق، حول إمكانية وجود تعارض بين وظيفة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) مع وظيفة العقل لدى المكلّفين، لا يسع لعاقل مؤمن، أن يتجاوزه دون تمحيص مؤداه ودلالاته، فمن يؤمن بنبوة الأنبياء ويؤمن بدور الوحي في هداية البشرية، أفراداً وجماعات، فلا محيص أن يجد أن ما يسميه بعضهم «عقلاً» سيراه عاجزاً، لا يمكن الاعتماد عليه في جوانب كثيرة، وأهمها ما يرتبط بعالم الآخرة، وفي كل ما يتعلق بـ«الإيمان بالغيب» في هذه الحياة، كالرزق والمرض والقوة والضعف وكثير من مجالات الحياة التي يعجز عن إدراكها هذا العقل القاصر.
إن هذا المفهوم -الإيمان بالغيب- أحد أهم معالم هوية المسلمين والمؤمنين، لأن مجرد استبعاد هذه الجزئية، سيثلم هوية التسليم لله والإيمان بأنبيائه ورسله.
ولأن «الإيمان بالغيب» مساحة يتعطل فيها العقل، عند كل غير معصوم، أقرّ بذلك أو لم يقرّ، يأتي دور هؤلاء، الذين اصطفاهم الله لهداية الناس ليقوموا - الناس- ويعملوا بما يستوجب عليهم تحقيق «الإيمان بالغيب» كما يريده سبحانه، لا كما تتوهمه العقول وتظنّه الأوهام وتركن إليه، ومن ذلك يتأكد لنا معني ودلالة قوله سبحانه {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} ويظهر تخصيص «الذين آمنوا» بهذه الهداية، جلياً وواضحا.
إن دور عقل الإنسان-غير المعصوم- محدود، ولا يصح الاستناد إليه في استنتاج ما تكفّل الله سبحانه به وبعث من أجله آلاف الأنبياء، ولو أمكن تحقق الهداية للبشر دون دور الأنبياء والرسل، لأصبحت وظيفتهم هامشية في حياة الناس، وهذا بخلاف الحكمة وبخلاف اللطف، وبخلاف محورية دورهم (عليهم أفضل الصلاة والسلام) في تاريخ الإنسانية.
{فلله الحجة البالغة}
إن العقل - القاصر- يصل إلى نتيجة ناصعة، خلاصتها: أنه لن يوجد -في ملايين البشر- من تكون حجته غالبة على حجة الله في يوم الحساب، وتحديداً من بلغتهم دعوة نبي أو رسول ، بدعوى اعتماده على عقله، دون هدي هؤلاء الأنبياء والرسل والأوصياء (عليهم السلام).

بهذا يتضح، أنه ليس من تعارض بين وظيفة الوحي ووضيفة العقل، إلّا في حالة تدخل العقل في وظيفة الأنبياء والرسل والأوصياء، لأنها مزاحمة غير منطقية وغير موضوعية، لمن يزعم أنه مؤمن بـ«الغيب» في وقت لا يملك فيه أدوات معرفية يقينية لفهم ذلك العالم.


٦ أكتوبر ٢٠١٦م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملاحظات تاريخية حول بحث «الأحسائيون ونشأة الدمام » (*)

في ظلال الكلمة ... (الأمل)

هل الخطورة على مجتمعنا من هذه الفئات فقط...؟!