رائد النشاط الاجتماعي والاصلاح
للروّاد حق على من يليهم، قال تعالى {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
كان من روّاد بناة مجتمعنا الأحسائي بالدمام، ومن وجهائه، عُرف عنه العمل بصمت، لم يبخل بالجهد ولا بالمال ولا النصيحة، ولم يخص قريبا، بل طال ذلك البعيد والقريب، ولا مبالغة إن قلنا أن جهده كان يوازي عمل مؤسسة جماعية، سواءا في «سد حاجات المحتاجين» أو بـ« دعم المساهمات في المشاريع الخيرية» بماله أو بالتحصيل من المؤمنين، ولا يمكن أغفال دوره الريادي أيضا في «إصلاح ذات البين» بين المؤمنين، من خلافات زوجية أو عائلية أو مالية، تتجاوز مجتمعه إلى محيطه الأحسائي العام، طوال حياته.
إنه المرحوم السيد محمد العلي النمر «١٣٤٠-١٤٢٧ هـ»، ذلك الرجل الذي حفر صورته المشرقة في ذاكرة كل من عرفه وجالسه، قبل وبعد أن هاجر إلى مدينة الدمام في حدود عام ١٣٧٤ هجري، حاز ثقة محيطه الاجتماعي بشكل ملفت، ولذلك لم يكن مستغربا أن يكون مركز اطمئنان لبث معاناتهم أو شكاواهم له، أو أن يكون أمين أسرارهم ومتجره خزانة ممتلكات كثير منهم، ولم يقتصر ذلك على الرجال، بل تجاوز ذلك إلى النساء، وهذه تمثل حالة نادرة بين الرجال، لما عُرف عنه من الورع والإيمان.
فما أكثر الذين سعى في تزويجهم، وما أكثر ما هيئ الفرص التجارية بعقد الشراكات بينهم وبين ذوي رؤوس الأموال، وما أكثر ما هيئ الفرص الوظيفية للعاطلين، وما أكثر ما أصلح ذات البين، بعد خلافات نشبت بين المؤمنين أو في بيوتهم، بسعة صدره ودماثة أخلاقه، وبصبره في السعي لتحقيق ذلك، وبتواضعه الجمّ الذي تميّز به بدءا من تأسيس «صندوق أسرة عائلة النمر الخيري».
تمتع «رائد العمل والاصلاح الاجتماعي في مجتمعنا الدمامي» بمقبولية لدى الجميع، شهد بها كل من عرفه وعرف تاريخ جهوده الطيبة، وليس بغريب عنه ذلك، فقد ورث خبرة بهذا العمل عن والده المرحوم السيد علي «١٢٧٦- ١٣٥٩هـ»الذي عُرف أيضا بدور عظيم في إصلاح ذات البين في عصره تجاوز حيّ الشّعَبة بالمبرز والذي ولد وترعرع فيه.
انتقل إلى الدمام للعمل في تجارة الذهب بصحبة أخيه الوجيه المرحوم السيد أحمد العلي النمر «١٣٤٩-١٤٢٣هـ» في حدود عام ١٣٧٤ هجري قبل أن يُلحق عائلته به ليستقر فيها بشكل دائم بعد سنوات قليلة، ومقيما مع بعض أقربائه وبعض الأسر الأحسائية من المبرز والهفوف وبعض القرى الأحسائية، في حي الدواسر، كما كانت مدينة الثقبة أحد محطات هجرته لفترة وجيزة، قبل استقراره في مدينة الدمام.
لم يبخل بنصيحته على كل من جاء بعده إلى الدمام طلبا للرزق، فبنى علاقات وثيقة مع محيطه الاجتماعي الذي تشكّل حديثا، بناءا على امتدادات وجذور تاريخية من العلاقات السابقة لأسرته مع المحيط الاجتماعي في الأحساء.
لقد بذر المرحوم السيد محمد العلي النمر في مجتمعه بريادته في هذا المجال، أهمية «العمل والاصلاح الاجتماعي» فلم يتقدم أحد في مجتمع الصاغة، لهذا المجال ممن جاء بعده، إلاّ وكان خرّيجا من مدرسته الاجتماعية تلك.
كان له اهتماما خاصا بطلبة العلوم الدينية من محيطه الاجتماعي لاستقصاء أحوالهم في غربتهم أو بعد رجوعهم منها، وكانت له علاقة جيدة جدا بعلماء المنطقة وكان محط ثقتهم، جعلت من جهده مبنياً على فهم وتفهم تام بطبيعة الاختلافات الاجتماعية.
رحم الله رائد العمل والاصلاح الاجتماعي في مجتمعنا بالدمام، ممن زرع الخير في محيطه، وممن له حق على هذا المجتمع الطيّب، فيذكّرنا تاريخه الناصع بقوله سبحانه {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}.
٢٥ شوال ١٤٣٨ هجري

تعليقات
إرسال تعليق