قراءة نقدية لمحاضرة «حقوق المرأة في الاسلام» التي ألقاها سماحة الشيخ محمد العبيدان ليلة الثالث من عاشوراء ١٤٤٠ هـ
قراءة
نقدية لمحاضرة «حقوق المرأة في الاسلام» التي ألقاها سماحة الشيخ محمد العبيدان
ليلة الثالث من عاشوراء ١٤٤٠ هـ([1])
لمتابع التسجيل المصور للقاء في هذا الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=z4umddxuYVI
بقلم: السيد أحمد النمر الصائغ
———————————
نص الورق كاملا:
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف المرسلين محمد بن عبدالله
وعلى آله الطيبين الطاهرين
ما
برحت قضية المرأة وحقوقها من القضايا التي تشكل أحد أبرز القضايا الفكرية في العصر
الحديث والتي تزامنت مع بروز قضية (حقوق الإنسان) في الساحات الفكرية، حيث أنها لم
تطرح بشكل مستقل تماما إلّا في العصر الحديث نسبيا، في ظروف يلزم الناقد الموضوعي
الرجوع لها، لفهم سياقات هذا النقد الموجّه للتشريعات الاسلامية بخصوص المرأة.
ونذكر كتمهيد ومدخل، بعض المعطيات والمؤشرات
لتقريب الصورة للأذهان، كأدوات لقراءة ما طرحه سماحة الشيخ العبيدان في موضوع (آية
قوامة الرجال على النساء) ليلة الثالث من عشرة محرم هذا العام:
أولاً-
مع شراسة النفاق وشدة المنافقين في بداية انتصار الرسالة المحمدية،
لم تظهر انتقادات يعتد بها، لخصوص الأحكام الشرعية الإسلامية التي تتعلق بالمرأة،
كمسألة نسبتها في الميراث أو قوامة الرجل عليها، مع سبق محاولات فاشلة لمعارضة بعض
آيات القرآن الكريم من مشركي الجاهلية.
ثانيا- لم تظهر ولم تبرز هذه الأصوات الناقدة إلّا بعد تسلط الغرب على
العالم الاسلامي في عصر متأخر ومع بدايات الاستعمار الغربي على المسلمين وضعف
شوكتهم، أمام الهيمنة لتلك الدول عليهم.
ثالثا-
الجزم بتبعية هذه الانتقادات في العالم الإسلامي للغرب وأنها ليست
ذاتية المنشأ، ونشير هنا إلى أن مطالبة المرأة في العالم العربي، بنزع حجابها،
انطلقت في عام ١٩١٩م، أي قبل ١٠٠ عام فقط من الآن، وهي التي تبنتها هدى شعراوي في
مصر خلال المظاهرات التي واجهت الاحتلال الانجليزي لمصر.
رابعا- من المفارقات المؤسفة، أن تتسع المساحة التشريعية القانونية، في
العالم الغربي للشذوذ الجنسي، كاللواط والسحاق- أجلكم الله- وتضيق على حرية تحجّب
النساء أو السماح بتعدد الزوجات فيها، كما تشهده بعض دوله([2])
ومنها إقرار فرنسا لقانون (حظر الحجاب في المدارس) وليس النقاب أو البرقع فقط، في
عام ٢٠٠٤م.
خامسا- مع شراسة بعض الأصوات الناقدة لمسألة التشريعات الاسلامية المتعلقة
بالمرأة، فإنك لا تسمع انتقادات تتناسب مع تلك الانحرافات الأخلاقية والسقوط
الانساني في العالم الغربي، ممن يوجهون انتقاداتهم للتشريعات الاسلامية في مسألة
المرأة.
سادسا-
ستبقى المرأة مكوَّناً ضعيفا أمام الرجل لطبيعة دورها، وبما يتناسب
مع وظيفتها التي أناطها الله سبحانه وتعالى بها، وسيبقى الرجل مكوَّنا أقوى، بما
يتناسب مع وظيفته الوجودية التي أناطها الله به.
سابعاً- مع بقاء العالم الاسلامي في محيط رد الفعل فقط، ستستمر أزمة الهوية
الاجتماعية للمجتمع، ما دام استقبالهم لصورة "النموذج المثالي" من
سواهم، بدل تصديرهم "لنموذجهم" النابع من ثقافتهم، وستبقى هويتُهم
المستقلة، مرمى وهدفا للهجمات والنقد.
أهمية
الحصر
ومع ما
مرت به المرأة من معاناة في الحقب التاريخية السابقة، فإن المرأة لم تحصل على
تكريم وإجلال يليق بمكانتها الإنسانية، كما حصلت عليه من خلال التشريعات
الإسلامية-المنصوصة أو المأثورة بالروايات المعتبرة- مقارنة ببقية التشريعات التي
عرفتها البشرية منذ بدأ الخليقة.
وعوداً
على ما قدمه سماحة الشيخ محمد العبيدان (حفظه الله) في محاضرته التي ألقاها في
اليوم الثالث من شهر محرم لعام ١٤٤٠ هجري، وكانت بعنوان (حقوق المرأة في الاسلام)،
فقد أوجز سماحته منشأ الشبهات- والمغالطات التي تطرح كإشكاليات- حول ما تعانيه
المرأة من التشريعات في الاسلام، وتمثل - في ظاهرها - استنقاصا لحقوقها، وأجمل
سماحته إجاباته عن تلك الإشكالات وأثرها من خلال محورين في محاضرته، هما:
المحور
الاول - الاتجاهات الفكرية بالنسبة للمرأة، وما هي اتجاهات المسلمين حيال المرأة.
المحور
الثاني - رؤية القرآن الكريم للمرأة، وكيف ينظر القرآن بالنسبة للمرأة.
ويمكننا
أن نلاحظ ما طرحه سماحته للإشكاليات المتعلقة بحقوق المرأة من زاويتين:
الأولى
- المرأة في الاسلام.
الثانية
- المرأة في التاريخ البشري العام
بهذين الاتجاهين
- مترددا - شرعتُ في كتابة هذه السطور، فخلصتُ إلى أن هاتين الزاويتين مهمتان
باستحضارهما كأداتين من الأدوات اللازمة لهذه القراءة الموجزة، فتجاوزتهما،
بملاحظة أن محاضرة لا تتجاوز ساعة واحدة لا يمكن أن تفسح المجال لأي محاضر أن يقدم
إجابات وافية للإشكاليات المتعلقة بموضوع المرأة، لا من جهة دورها في الثورة
الحسينية، ولا من جهة تميّز مقامها في التشريع الاسلامي مقارنة بالتاريخ البشري
العام.
ويُحسن
القول أن سماحته أحسن كثيرا بحصر وعرض (الاتجاهات الثلاثة) التي انطلق منها في
عرضه وردوده على الشبهات، من خلال الاتجاهات (الإسلامية) الثلاثة وهي:
الاتجاه
الاول - الاتجاه التراثي الروائي(التقليدي).
الاتجاه
الثاني - الاتجاه الكلامي الاجتماعي.
الاتجاه
الثالث - الاتجاه الفقهي الحقوقي.
وسنقف
على ما عرضه سماحتُه من هذه الاتجاهات (الإسلامية) الثلاثة، ثم نستعرض الزاويتين
اللتين أشرنا لهما سابقا.
الاتجاه
الأول -الاتجاه التراثي الروائي(التقليدي) :
أصل
موضوعي
لم يخلو عرض سماحته من نقد لهذا (الاتجاه
التراثي) مع تأكيد سماحته أن هذا الإتجاه قائم على (أصل موضوعي) حسب وصفه، من خلال
استناد أصحاب هذا الاتجاه على أدلة شرعية وروائية في بناء رأيهم وهو (منع الاختلاط
بين الرجال والنساء) مشيرا إلى أن بعض أصحاب هذا الرأي تجاوز ذلك إلى سلب المرأة
حتى من حق التعليم.
ونقف
هنا قليلا، لنسجل ملاحظة، وهي أن سماحته حاول تقييم هذا الاتجاه مجردا من سياقه
التاريخي والاجتماعي، مما أضفى عليه مسحة من وجود استنقاص للمرأة وحقوقها، بإشارته
إلى فتوى السيد اليزدي نوّر الله ضريحه باستحباب حبس المرأة...!
نموذجان
لرأيين فقهيين
ولأهمية
قراءة هذه الآراء بصورة موضوعية في سياقها الموضوعي، نشير إلى ما جاء في رسالة
لأحد أبرز فقهائنا في العصر الحديث وهو الإمام الخميني (قدس) بسبب صدور تشريع فسح
المجال لمشاركة المرأة في الانتخابات، في زمن الشاه، وفيها (إن دخول النساء إلى
المجلس، وإلى المجالس البلدية، مخالفٌ للقوانين المحكمة للإسلام) وهي مؤرخة في عام
١٣٤١ هجري، وهذا موقف مغاير تماما لمواقفه وآرائه الداعمة لاحقا والمساندة لمشاركة
المرأة في الشأن العام.
وهذه
الإشارة توضح أهمية قراءة هذه المواقف المتشددة والمتحفظة في سياقاتها وظروفها
الاجتماعية، ويعزز ذلك رأي السيد السيستاني (دام ظله) في موضوع حكم (كشف وجه
المرأة) بالتالي: إذا خافت الوقوع في الحرام بسبب افتتان الغير بالنظر الي وجهها
لم يجز لها ابداؤه له.
وهنا
تظهر لنا حاكمية الظرف الزماني أو الاجتماعي في توجيه الرأي (وليس الحكم الشرعي)
وتشكّله وفلسفته.
مع أن (التاريخ التشريعي السلوكي والمعاملاتي)
في مدرسة علمائنا دامت بركاتهم أبرز حقوق المرأة وكرامتها بصورة جليّة.
الدور
المحافظ، مسلك مشترك
و
يُلاحظ أيضا، أن نقد سماحة الشيخ العبيدان ومعالجته لهذا الاتجاه (التقليدي) كان
موجزا، بملاحظة الأدلة المعززة لهذا الاتجاه وهذا الرأي، وبالنظر للكم الروائي
المنتشر في تراث علماء الشيعة، الذي استند له أصحاب هذا الاتجاه، لذا علينا العودة
إلى الإحاطة بالظروف الاجتماعية التي أوجبت صدور مثل هذا الكم الروائي الكثير من
المعصومين عليهم السلام، وتقديم رؤية لسد ثغرة تم استغلالها للطعن، ليس في تراث
أهل البيت، بل في التشريع الاسلامي عموما.
ويمكن
الإشارة هنا إلى أن بعض نتاج هذا الاتجاه (التقليدي) لا يزال مشتركا مع رأي أصحاب
الاتجاه الكلامي الاجتماعي (سلوكيا) على أقل تقدير، وهو الطابع المتحفظ لدور المرأة،
ولا يمكن تجاوزه في عموم محيط مجتمعات أهل البيت عليهم السلام، وهو بارز في هذه
المجتمعات بصورة ظاهرة، مع التأكيد إلى أن ذلك لا يعني استنقاصا لحقوق المرأة.
فالصورة
المنتزعة من السياق التاريخي لمقام المرأة لدى التيارات الاسلامية عموما، تشترك مع
أصحاب الاتجاه (التراثي) وهي صورة يغلب عليها التحفظ على دور المرأة الاجتماعي،
وهي صورة مشتركة مع الواقع البشري الذي أعطى الرجل دورا متقدما في الحياة
الاجتماعية.
ومع أن
إشارة سماحة الشيخ للفوارق (١٤) التي ذكرها الشيخ المجلسي (قدس الله سره) في
رسالته هي ثمرة فقهية للفوارق التكوينية بين أفراد الجنسين الرجل والمرأة.
وهي
صورة تتناسب مع (النظرية الأولى) التي ذكرها سماحته، القائمة على (طاقات المرأة،
إمكاناتها، كمالاتها) مع أن أصحاب الاتجاه (التراثي) لا يتميّزون عن الاتجاهين
الآخرَين للإسلاميين، بأنه لا أفضلية للرجل على المرأة، ويعزز ذلك كل تفسيراتهم
وشروحاتهم، التي تناولت الآيات القرآنية (التفضيلية) التي تخاطب الإنسان بصفة
عامة.
ولعل
في إطلاق سماحته أن النظرية الثالثة في (الاتجاه التقليدي) وهي نظرية الحضور
الاجتماعي والتي تقوم على المنع من الاختلاط، ففيه تهويل ربما لا يوافق أصحاب
الرأي عليه، مع وجود مسلك عام في التاريخ الاجتماعي لمن يتبنى هذا الرأي، يؤكد
وجود ممارسة المرأة لاختلاطها لما فيه ضرورة حياتية أو أداء واجبات عبادية،
كالذهاب للحج، أو بالخروج والدخول من المنزل، أو مزاولة البيع والشراء أو السفر
عبر القوافل بين البلدان.
المشاركة
الاجتماعية، مسلك مشترك
ومع
سرد الأمور التي اعتمد عليها أصحاب هذا الاتجاه (التقليدي) والتي ذكرها سماحة
الشيخ في محاضرته، نلاحظ أنها تتضمن، في أجزاء منها، ما هو مشترك مع أصحاب الاتجاه
الثاني (الكلامي الاجتماعي) ومنها:
• "الالتزام بالتعبّد بالأحكام الدينية،
فيُلتزم بأن ما صدر عن الشارع المقدس يُتقيّد به ويُعمل على طبقه" مع ذكره
قيداً لا يتناسب مع السياق وهو "دون مراجعة" إذا لا معنى لهذا القيد،
إذا صح صدور هذا الحكم أو ذاك لأن يُراجع.
• "الالتزام بوجود فوارق تكوينية بين الرجل
وبين المرأة، من خلال ما دلّ على ذلك من علوم حديثة."
وهنا
يلزم أن نلاحظ أن أصحاب هذا الاتجاه يلتزمون هذه الأمور استنادا إلى أن ما بين
أيديهم من روايات إنما هي صحيحة الصدور.
الاتجاه
الثاني - الاتجاه الكلامي الاجتماعي:
مشتركات
مع الاتجاه الأول (التقليدي)
هناك
مشتركات لا يمكن إغفالها، بين أصحاب هذا الاتجاه (الكلامي الاجتماعي) وأصحاب
الاتجاه (التقليدي) وهو ذو منشأ موضوعي، لارتباطه بأسس فقهية وتشريعية مشتركة،
تحمل طابعا تحفّظيا، على الدور الاجتماعي للمرأة في الحياة العامة، لأسباب تكوينية
لا يمكن إغفالها.
فقد
جاء وصف سماحةُ الشيخُ العلّامةَ السيد الطباطبائي بأنه (رائد) هذا الاتجاه في
العصر الحديث، ومما ذكره العلّامة في تفسيره (الميزان) نقرأ:
والمراد بما فضل الله بعضهم على بعض هو ما يفضل ويزيد فيه الرجال
بحسب الطبع على النساء وهو زيادة قوة التعقل فيهم وما يتفرع عليه من شدة البأس
والقوة والطاقة على الشدائد من الأعمال ونحوها فإن حياة النساء حياة إحساسية
عاطفية مبنية على الرقة واللطافة والمراد بما أنفقوا من أموالهم ما أنفقوه في
مهورهن ونفقاتهن ([3]).
فالتفضيل هنا، تكويني مادي فقط، ولابد لنا من الرجوع إلى التعرّف على
نظرته للطبيعة الوظيفية التي يراها رائد هذا الاتجاه الكلامي الاجتماعي للمرأة:
وبعبارة أخرى كما أن قيمومة قبيل الرجال على قبيل النساء في المجتمع
إنما تتعلق بالجهات العامة المشتركة بينهما المرتبطة بزيادة تعقل الرجل وشدّته في
البأس وهي جهات الحكومة والقضاء والحرب من غير أن يبطل بذلك ما للمرأة من
الاستقلال في الإرادة الفردية وعمل نفسها ([4]).
ويلاحظ
هنا أن رائد هذا الاتجاه (الكلامي الاجتماعي) يظهر علل وأسباب تشريع هذه القوامة
للرجل على المرأة في الشؤون العامة، ويرى استقلالها "في الإرادة
الفردية" أي فيما يخصها، وهذا يتفق مع النظرية الأولى لأصحاب الاتجاه
التقليدي، المستندة على (شخصية المرأة، طاقاتها، إمكاناتها، كمالاتها).
كما أن
كلام رائد الاتجاه الكلامي الاجتماعي العلّامة السيد الطباطبائي، يتضمن ما هو
موافق للنظرية الثانية، التي أستند لها الاتجاه (التقليدي التراثي) وهي نظرية
(الرجل والمرأة، الحقوق والتكاليف والواجبات) من جانب آخر، وهو ما يتعلق بوجود
الفوارق التكوينية بين الرجل والمرأة، والاختلاف الوظيفي بينهما، كما هو ظاهر في
نص سماحة العلّامة السيد المشار له سابقا.
ومما
هو مشترك بين أصحاب الاتجاهين (التقليدي) و(الكلامي الاجتماعي) ما ذكره سماحة
الشيخ ضمن "المعالم التي يقوم عليها هذا الاتجاه" وسردها، منها نصاً:
المعلم الثاني - الاعتقاد بوجود فوارق بين الطرفين، بين الرجل والمرأة في المجال النفسي والمجال الجسدي والمجال الإداري.
ومما
هو مشترك بين هذا أصحاب هذا الاتجاه والاتجاه التقليدي، ما ذكره سماحة الشيخ ضمن
ما يعتمد عليه أصحاب هذا الاتجاه (الكلامي الاجتماعي) من أدله، وهو:
"لا بدّ من فهم النصوص فهما دقيقا وتفسيرها تفسير كلاميا، حتى نصل
للنتيجة."
وافدة
النساء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله
فقد
يلتبس على المستمع أن مثل هذه المعالم أو الأدلة، بإيرادها وسردها، وكأنها من
مستقلات أصحاب هذا الاتجاه منفردين، لذا كانت الاشارات إلى هذه المشتركات محل
اهتمام في هذه القراءة المختصرة.
ونختم
هذا الجزء للأهمية، برأي لـ(رائد) هذا الاتجاه (الكلامي الاجتماعي) بعد مناقشته
موضوع قيمومة الرجال على النساء، وإيراده قصة (وافدة النساء) على النبي صلى الله
عليه وآله، ونوردها لفائدة:
في الدر المنثور أخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية: أنها أتت
النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه - فقالت بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء
إليك - واعلم نفسي لك الفداء - أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب - سمعت
بمخرجي هذا إلا وهى على مثل رأيي - إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء - فآمنا
بك وبإلهك الذي أرسلك - وإنا معشر النساء محصورات مقسورات - قواعد بيوتكم ومقضى
شهواتكم - وحاملات أولادكم - وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات -
وعيادة المرضى وشهود الجنائز - والحج بعد الحج وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله -
وإن الرجل منكم إذا خرج حاجا أو معتمرا - أو مرابطا حفظنا لكم أموالكم - وغزلنا
لكم أثوابكم وربينا لكم أموالكم (1) - فما نشارككم في الاجر يا رسول الله - فالتفت
النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله - ثم قال هل سمعتم مقالة امرأة قط
- أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه - فقالوا يا رسول الله ما ظننا أن امرأة
تهتدى إلى مثل هذا - فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها - ثم قال لها انصرفي
أيتها المرأة - وأعلمي من خلفك من النساء - أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها
مرضاته - واتباعها موافقته يعدل ذلك كله - فأدبرت المرأة وهى تهلل وتكبر
استبشارا.([5])
قال صاحب التفسير، بعد هذه إيراده هذا الحديث:
يظهر
من التأمل فيه وفي نظائره الحاكية عن دخول النساء على النبي صلى الله عليه
وآله وسلم وتكليمهن إياه فيما يرجع إلى شرائع الدين ومختلف ما قرره الاسلام
في حقهن أنهن على احتجابهن واختصاصهن بالأمور المنزلية من شؤون الحياة غالبا لم
يكن ممنوعات من المراودة إلى ولي الأمر والسعي في حل ما ربما كان يشكل عليهن وهذه
حرية الاعتقاد التي باحثنا فيها في ضمن الكلام في المرابطة الاسلامية في
آخر سورة آل عمران.
ويستفاد
منه ومن نظائره أيضا أولا أن الطريقة المرضية في حياة المرأة في الاسلام أن تشتغل
بتدبير أمور المنزل الداخلية وتربية الأولاد وهذه وإن كانت سنة مسنونة غير مفروضة
لكن الترغيب والتحريض الندبي والظرف ظرف الدين والجو جو التقوى وابتغاء مرضاة الله
وإيثار مثوبة الآخرة على عرض الدنيا والتربية على الأخلاق الصالحة للنساء كالعفة
والحياء ومحبة الأولاد والتعلق بالحياة المنزلية كانت تحفظ هذه السنة. ([6])
الاتجاه
الثالث - الاتجاه الفقهي الحقوقي.
بين
الفعل ورد الفعل
لا
يخفى انفعال وتأثر أصحاب هذا الاتجاه بالمؤثرات الصادرة من مراكز صناعة الثقافة
الدولية والتي تخضع لهيمنة غير المسلمين، بل لجهات ودوائر لا يمكن الاطمئنان إلى
غاياتهم ولا تنزيه أهدافها، ويمكن ملاحظة هذا بما أشار سماحة الشيخ بقولهم "
نحن نحتاج الى إعادة قراءة المصادر الدينية من جديد، لأن ذلك يساهم في إيجاد
نظريات جديدة على الصعيد الحقوقي بالنسبة للمرأة" وأن ذلك يتحقق من خلال
ثلاثة أمور، أولها:
"الأخذ بعين الاعتبار للواقع الخارجي.".!
وهذا
يعني أنه مطلب وموقف انفعالي، كما أنه يُعد استجابة لأمر خارج عن المنبع التشريعي،
وليس منطلقا نابعا منه، وهو يتضح منه إخضاع التشريعات الدينية للواقع وليس العكس...!
تساؤل
واستفهام…!
وأما
التشكيك في غايات بعضهم، فيبدو سببه واضحا من اعتماد هذا الاتجاه على أمور أوجز
سماحة الشيخ ثلاثة أمور، أولها:
"التركيز على القرآن الكريم في الاجتهادات الفقهية والحقوقية. “..!
ويكفي
القول أن هذا أمر يعد مخالفة صريحة لوصية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في
الحديث (المتواتر) وبكافة الألفاظ التي رويت عنه صلى الله عليه وآله بقوله
"إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل
بيتي".
ولكننا لا يمكن وضع غايات
أصحاب هذا الاتجاه في سلة واحدة، لتفاوت غايات متبنيه، وتباين غاياتهم من تسويقه
في أوساط المسلمين، ولعل الإصابة في وصف من تبناه من ذوي التوجهات الاسلامية
بالاشتباه والخطأ، بملاحظة قولهم في الأمر الثاني:
"مراعاة قواعد الاجتهاد وضوابط الاستنباط الفقهي".
فلا
خلاف على أن هذا القيد يتفق مع الأصول العلمية لأصحاب الاتجاه الثاني (الكلامي
الاجتماعي).
ومما
يلفت النظر ويلزم الوقوف عليه، هو الأمر الثالث الذي أشار له سماحة الشيخ ويطرحه
أصحاب هذا الرأي (ممن ينتسبون للحوزات العلمية بشكل خاص) وهو "إعادة قراءة
المصادر الدينية من جديد." حيث أن هذا النص بحاجة إلى تفسير ينسجم مع الصورة
المستخرَجة من تاريخ الحوزات العلمية، حيث أنها هي أساس وظيفة الاجتهاد والفقاهة
فيها..!
محاكمة
الاتجاهات:
في
خلاصة محاكمة سماحة الشيخ للاتجاهات الثلاثة، ونتيجتها:
•
نقض الاتجاه الأول ورفع اليد عنه.
•
قبول
ما يستند إلى دليل أو حجة معتبرة، ورفض أي اجتهاد يقابل النص، من الاتجاه الثالث.
•
تعيّن
رؤية الاتجاه الثاني كرؤية الاسلام للمرأة من خلاله.
ولا
أجد مناصا من إعادة التأكيد على أن الخطاب القرآني الموجّه للإنسان، رجلا كان أو
امرأة، بخصوص الثواب العقاب (الأخروي) يؤكد وهن وهزال كل ما يرد من انتقاد أو
شبهات أو مغالطات لتشويه رؤية الاسلام للمرأة أو إجحافه بحقوقها.
ومن
الأهمية الإشارة في هذا السياق إلى (أصلين) قرآنيين، وهما:
١- الوجود الانساني يتكون
من جزئين هما (الدنيا والآخرة) وأن الآخرة هي المستقر والغاية.
٢- العلاقة الفطرية بين
الرجل والمرأة (في الدنيا) تستقيم على قاعدة (المودة).
وعلى
هذين الأصلين جاء الخطاب القرآني([7])،
لتحقيق كمال كلا النوعين (الرجل والمرأة) في إطار العلاقة بينهما، وأن التنافر في
هذا الاطار (الفطري) يكون مانعا وحاجزا عن بلوغ هذا الكمال المنشود في الحركة
الوجودية، وهو متضمن بلا شك عند فقهاء الطائفة ممن تبنوا هذا الاتجاه (التراثي).
ويسهل
علينا تفهّم (النقض) الذي أظهره سماحة الشيخ أمام الاتجاه (التراثي) الأول، وهو
رأي ربما يلتبس على البعض بأنه رأي شمولي وليس محدودا بموضوع العلاقة بينهما، وأن
هذا النقض ليس لكل ما يرتبط بذلك الاتجاه.
الخلاصة:
أولا-
المحاضرة قدمت صورة واضحة عن الاتجاهات والآراء المتفاوتة بين التيارات الاسلامية
عن المرأة.
ثانيا-
المحاضرة قدّمت منهجا جيدا لفهم الانتقادات الموجّهة لصورة المرأة في التشريع
الاسلامي ومناشئها، بملاحظة تعدد التيارات الناقدة.
ثالثا-
المحاضرة قدمت خلاصة جيدة وإن كانت موجزة، لتمايز وظيفة المرأة وتمايز دورها عن
الرجل،
رابعا-
المحاضرة كانت أعمق وأوسع من عنوانها «قوامة الرجل على المرأة» وإن كان التعمق
لازما لعنوانها وعلى حسابه.
خامسا-
قد يرى البعض وجود في بعض عبارات وتعليقات المحاضر، قساوة نسبيا على مسامع المرأة.
سادسا- أكدت المحاضرة أنه لا يوجد تفضيل للرجل على
المرأة في الرؤية الاسلامية، وأن الفوارق التكوينية بينهما إنما هي لوازم خَلْقية
لوظيفة كل منهما التي خُلق من أجلها.
سابعا-
أن الرؤية الاسلامية حسب الاتجاه الكلامي الاجتماعي- ترى ما يراه البعض من نقص في
المرأة، إنما هو من كمالاتها، بالنظر إلى (اعتبارات أخرى) في وظيفتها الوجودية.
والحمد
لله رب العالمين.



تعليقات
إرسال تعليق